أندر ما يبيعه مول دبي اليوم ليس المساحة الأرضية، بل الوقت. ظلّ المركز التجاري، على مدى معظم تاريخ التجزئة، رفًّا من الوحدات القابلة للتأجير، ومنطقه الاقتصادي بسيط: املأ الرفّ واقبض الإيجار. هذا المنطق ما زال يدفع الفواتير، لكنه لم يعد يفسّر أين يضع كبار المشغّلين في دبي رساميلهم. ففي عام 2026 لم تعد الاستثمارات الأبرز متاجر إضافية، بل مسارح وشاشات IMAX ونوادي عافية ومراكز ثقافية وساحات طعام مفتوحة. رصدت شركة ماجد الفطيم 5 مليارات درهم لإعادة ابتكار مول واحد، وتنفق إعمار 1.5 مليار درهم لتوسعة مول آخر — لا لإضافة خطوط تجارية بالدرجة الأولى، بل لإطالة مدة الزيارة. وفهم هذا التحوّل، من بيع المساحة إلى بيع الوقت داخل الموقع، هو مفتاح قراءة سوق العقارات التجارية للتجزئة في دبي هذا العام.

من نقطة البيع إلى نقطة التجربة

أمضت صناعة التجزئة العالمية جُلّ العقد الماضي في استيعاب حقيقة صعبة واحدة: إنّ الوظيفة المعاملاتية للمتجر المادي — استبدال المال بمنتج ثم المغادرة — هي الوظيفة ذاتها التي تؤدّيها التجارة الإلكترونية بكلفة وراحة أكبر. أما ما لا يستطيع الموقع الإلكتروني محاكاته فهو الحضور: الوجبة، والعرض، والجلسة العلاجية، والبيئة المُعلَّمة بالعلامة التجارية التي يختار الشخص أن يمضي فيها بعد ظهيرة كاملة. وقد كان الردّ الاستراتيجي، الظاهر عبر الأسواق الناضجة، إعادة تموضع المول بوصفه وجهة لنمط الحياة لا نقطة توزيع، بدمج المطاعم (F&B) والترفيه والأنشطة الترويحية في مزيج المستأجرين حتى يصبح المتجر سببًا واحدًا للزيارة بين أسباب عدّة.

لم تخترع دبي هذا النهج، لكنها تنفّذه بحجم وسرعة قلّما تضاهيهما سوق أخرى. فقاعدة التجزئة في الإمارة معرّضة على نحو استثنائي للجمهورين اللذين يكافئان الصيغ التجريبية أكثر من غيرهما — سكان أغلبهم من الوافدين، وتدفّق سياحي قرب مستوياته القياسية — كما تملك كبرى الجهات المالكة ميزانيات تتيح إعادة البناء استباقًا للطلب لا استجابةً له. والنتيجة أنّ التحوّل التجريبي في دبي ليس طلاءً تسويقيًا يُضاف إلى مراكز قائمة، بل يُصبّ في الخرسانة وفي برامج رأسمالية ممتدة لسنوات.

مالك واحد وأربعون وجهة: توحيد «Dubai Retail»

أوضح إشارة بنيوية على التحوّل هي إشارة تنظيمية. فقد وحّدت دبي القابضة لإدارة الأصول أكثر من 40 مولًا ووجهة لنمط الحياة — بينها أصول انضمّت عبر دمج نخيل وميدان — تحت علامة موحّدة واحدة هي «Dubai Retail»، وفق ما أعلنته دبي القابضة (Dubai Holding). وتضمّ المحفظة الموحّدة نحو 6,500 تاجر تجزئة على أكثر من 13 مليون قدم مربعة من المساحة الإجمالية القابلة للتأجير (GLA).

الأهمية ليست في عدد المستأجرين بل في التأطير المقصود. فتجميع المراكز المجتمعية والمولات الإقليمية الكبرى ووجهات نمط الحياة المطلّة على الواجهات المائية تحت علامة تشغيلية واحدة يخبر السوق أنّ هذه الأصول تُدار الآن كمحفظة واحدة من الوجهات، لا كتجميعة متفرّقة من دفاتر الإيجار. وهذا يتيح للمالك أن يفكّر في مزيج المستأجرين وحركة الزوّار وبرمجة التجربة عبر عشرات المواقع دفعةً واحدة — أن ينقل مفهومًا أو صيغة قاعة طعام أو مرتكز ترفيه بين المواقع، وأن يتفاوض مع العلامات بوصفه طرفًا واحدًا يتحكّم في حصة كبيرة جدًا من مساحة التجزئة المنظّمة في الإمارة. تلك هي البنية المؤسسية التي تحتاجها الاستراتيجية التجريبية، وظهورها في دبي هو بذاته مؤشّر على وجهة السوق.

مول الإمارات: 5 مليارات درهم لإعادة البناء حول الزيارة

أصرح تعبير عن الأطروحة التجريبية هو تحويل ماجد الفطيم لمول الإمارات. أُعلن عن البرنامج في 16 أبريل 2025 بمناسبة الذكرى العشرين لافتتاح المركز، وهو يحمل قيمةً معلَنة قدرها 5 مليارات درهم، مع تخصيص 1.1 مليار درهم للمرحلة الأولى، وفق ماجد الفطيم. وعلى صعيد التجزئة الصرف يضيف البرنامج نحو 20,000 متر مربع من المساحة وأكثر من 100 متجر جديد — لكنّ توسعة التجزئة ليست القصة التي اختار المشغّل أن يتصدّر بها.

ما تبرزه أولًا نشرة الإعلان مجموعةٌ من المرتكزات غير التجارية. فمن المقرّر أن يضمّ مركز ثقافي باسم «New Covent Garden» مسرحًا بسعة 600 مقعد يُدار بالشراكة مع أكاديمية دبي للفنون الأدائية؛ وتضيف VOX Cinemas تجربة IMAX؛ ويُدخل نادي SEVEN Wellness مرتكزًا للياقة والعافية إلى المركز؛ ومن المنتظر افتتاح أربعة مفاهيم ترفيهية جديدة بحلول نهاية 2026، تليها ساحة مطاعم مفتوحة في مطلع 2027، وفق ماجد الفطيم. وإذا قُرئت هذه المكوّنات معًا، فإنها تصف مولًا يُعاد بناؤه حول أسباب للوصول باكرًا والبقاء أطول والعودة لغرض غير التسوّق. فبرنامج مسرحي يجلب حركة زوّار مسائية لا يستطيع طابق أزياء جلبها؛ ونادي عافية يحوّل الزائر لمرة واحدة إلى عضو متكرّر؛ وساحة طعام خارجية تمدّ ساعات استخدام الأصل إلى المساء الأكثر اعتدالًا، وتلتقط مناسبة الوجبة التي باتت تسبق الشراء أو تحلّ محلّه على نحو متزايد.

«ذا ديستريكت» في دبي مول: الفخامة والمطاعم بوصفهما حافّة النمو

الغريزة ذاتها ظاهرة في الطرف الآخر من السوق، في أكثر أصول التجزئة زيارةً في العالم. فقد استقطب دبي مول نحو 111 مليون زائر في 2024، صعودًا من 105 ملايين في 2023، وفق Time Out Dubai نقلًا عن رئيس مجلس إدارة إعمار محمد العبار — وهو رقم لحركة زوّار لا يمكن لأيّ تاجر منفرد، مهما بلغت هيمنته، أن يبرّره وحده. ويوفّر المركز أصلًا نحو 350,000 متر مربع من مساحة التجزئة القابلة للتأجير عبر أكثر من 1,200 وحدة، وفق أرقام Cushman & Wakefield Core.

وحتى عند هذا الحجم، تبلغ قيمة توسعة إعمار — وهي مرحلة تحمل اسم «ذا ديستريكت» (The District) — 1.5 مليار درهم، وتضيف نحو 240 خيارًا من متاجر الفخامة والمطاعم، وفق إعمار العقارية. واقتران «الفخامة والمطاعم» في توسعة واحدة هو المغزى بذاته: فالنمو يُنشَد عند تقاطع تجربة العلامات عالية القيمة مع المطاعم، لا في خطوط تسوّق إضافية للفئة المتوسطة. وتقرأ Cushman & Wakefield Core برنامجي دبي مول ومول الإمارات معًا بوصفهما تأكيدًا أنّ الفخامة والمطاعم والصيغ القائمة على التجربة هي القطاعات التي تراهن عليها الجهات المالكة بوصفها محرّكات نمو.

والحافّة التجريبية تظهر في مزيج المستأجرين ذاته، لا في المرافق المحيطة به فحسب. فتشير Cushman & Wakefield Core إلى صيغ مثل «Maison» فان كليف أند آربلز في حيّ دبي أوبرا، وتعاون ديور مع Nammos في جميرا، بوصفها أمثلة على علامات لم تعد تشغل متجرًا بقدر ما تصمّم بيئة — بعضها بوتيك وبعضها مطعم وبعضها وجهة. وفي هذا النموذج يصبح المتجر هو التجربة، ويبدأ التمييز بين «التجزئة» و«الترفيه»، الذي كانت محاسبة المولات تُبقيه في عمودين منفصلين، في الذوبان.

لماذا يتبع المال وقت البقاء

يستند مبرّر إنفاق المليارات على المسارح والساحات بدل المزيد من الرفوف إلى هوية من يملأ مولات دبي فعلًا. فقد تجاوز عدد سكان الإمارة 4 ملايين للمرة الأولى في 2025، ونحو 92% منهم وافدون، وفق أرقام تُنسب إلى مركز دبي للإحصاء — قاعدة سكانية بإنفاق تقديري مرتفع، وشبكات عائلية ممتدّة محدودة محليًا، وشهية موثّقة جيدًا لاعتبار المول فضاءً اجتماعيًا وترفيهيًا لا مجرّد مكان للشراء. ويُضاف إلى ذلك البُعد السياحي: استقبلت دبي 19.59 مليون زائر دولي مبيت في 2025، بارتفاع 5% عن 2024، بمعدّل إشغال فندقي بلغ 80.7%، وفق دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي (DET)، في بيان نُشر بتاريخ 9 فبراير 2026؛ وفي ديسمبر 2025 وحده تجاوز عدد الزوّار مليونين خلال شهر تقويمي واحد. وكلا الجمهورين يكافئ تحديدًا ما توفّره التجزئة التجريبية: أسبابًا لإمضاء ساعات في الموقع، ومطاعم وترفيه لملئها.

هذا الطلب يدعم أيضًا الطرف الأعلى من مزيج المستأجرين. فقد قدّرت Mordor Intelligence سوق السلع الفاخرة في الإمارات بنحو 8.5 مليار دولار أمريكي في 2025 — حجمٌ يجعل رهان «الفخامة زائد المطاعم» خلف «ذا ديستريكت» متماسكًا تجاريًا لا مجرّد طموح. ويجدر التدقيق في حدود الأدلة المعلنة هنا: تصف الصناعة باطّراد المطاعم والترفيه والأنشطة الترويحية بوصفها قطاعات متنامية في مزيج مولات دبي، لكنّ الحصة المحدّدة من المساحة القابلة للتأجير التي تشغلها هذه الاستخدامات غير مُفصح عنها في المصادر الأولية، ولا ينبغي التعامل مع أي نسبة مئوية مفردة بوصفها ثابتة. فالاتجاه مدعوم بالأدلة جيدًا؛ أمّا النسبة الدقيقة فلا.

وما يشتريه هذا الاتجاه للمالك هو وقت البقاء، ووقت البقاء هو ما تحوّله سوق الندرة إلى إيجار. فمعدّلات الإشغال في المولات الإقليمية الكبرى ووجهات دبي تراوح نحو 95–99%، وتظلّ السوق سوق مالك بامتياز، وفق Cushman & Wakefield Core. وفي ظلّ هذه الخلفية من المراكز شبه الممتلئة، ارتفعت إيجارات التجزئة الممتازة نحو 7.1% على أساس سنوي، مع صعود عقود التجديد 6.5% رغم تراجع العقود الجديدة 15.7% — وهو نمط يعكس شحًّا في المساحة الممتازة لا ضعفًا في الطلب، بحسب بيانات Cushman & Wakefield وCavendish Maxwell لعام 2025. والبرمجة التجريبية هي عمليًا الآلية التي يدافع بها المالك عن هذه الإيجارات وينمّيها: فالمركز الذي يلتقط بثبات زيارة أطول وأكثر تكرارًا وأعلى إنفاقًا هو مركز تفرض وحداته الممتازة علاوةً سعرية ويجدّد مستأجروه عقودهم.

المقابل المجتمعي: الراحة تجربةٌ بذاتها

ليس التحوّل التجريبي صيغة واحدة تُطبَّق بالتساوي، وقراءته على أنّ «الجميع يبني مسارح» تسيء تمثيل السوق. فعلى مقياس الحيّ، تبلغ المولات المجتمعية في دبي — في مناطق مثل البرشاء وموتور سيتي وند الشبا — إشغالها الكامل خلال عام من افتتاحها، مرتكزةً لا على دور السينما والمراكز الثقافية بل على محال السوبرماركت والعيادات ومشغّلي اللياقة والمطاعم المحلية النشأة، وفق Cushman & Wakefield Core. وهذا نموذج قائم على الراحة، وهو تجريبي بنبرة أهدأ: فـ«التجربة» التي يبيعها هي القرب والروتين والحضور الموثوق للخدمات اليومية ومقهى مألوف على مسافة مشي من المنزل.

والتمييز مهمّ لكل من يقرأ السوق بوصفه مشغّلًا أو مستثمرًا. فعقارات التجزئة في دبي تسير بسرعتين ومنطقين تجريبيين مختلفين. تتنافس الوجهات الإقليمية الكبرى على الإبهار والفخامة وطول الزيارة، وتبرّر برامج رأسمالية بأرقام من تسع وعشر خانات بقوّة حركة الزوّار السياح والوافدين مرتفعي الإنفاق. أما المراكز المجتمعية فتتنافس على الراحة والتكرار، وتبلغ إشغالها المستقرّ سريعًا تحديدًا لأنها ترسّخ الحياة اليومية لا المناسبات الخاصة. وكلاهما «تجريبي»؛ إنما يبيعان تجربتين مختلفتين لجمهورين مختلفين، والخلط بينهما يُنتج قرارات تأجير خاطئة.

الخلاصة

السمة المُعرِّفة لسوق العقارات التجارية للتجزئة في دبي عام 2026 هي أنّ كبار الملّاك يستثمرون لبيع وقت البقاء لا لمجرّد تأجير المساحة. فإعادة ابتكار ماجد الفطيم لمول الإمارات بقيمة 5 مليارات درهم، بقيادة مسرح بسعة 600 مقعد وشاشة IMAX ونادي عافية وساحة طعام مفتوحة، وتوسعة إعمار بقيمة 1.5 مليار درهم في «ذا ديستريكت» للفخامة والمطاعم في دبي مول، هما أصرح تعبير عن هذه الاستراتيجية، فيما يمنحها توحيد أكثر من 40 مولًا تحت علامة «Dubai Retail» الواحدة الآلية المؤسسية للتوسّع. وتتماسك الجدوى الاقتصادية بفضل هوية من يملأ هذه المراكز — سكان تجاوزوا 4 ملايين ونحو 92% منهم وافدون، و19.59 مليون زائر مبيت في 2025 — ولأنّ إشغالًا ممتازًا شبه كامل بنسبة 95–99% وإيجارات ممتازة صاعدة يكافئان من يلتقط الزيارة الأطول والأكثر تكرارًا. والتحفّظ الأمين هو أنه بينما تنمو المطاعم والترفيه والأنشطة الترويحية بوضوح كقطاعات، لا ينشر السوق الحصة الدقيقة التي تشغلها، وعلى المحلّل الجادّ أن يقاوم اختلاق رقم لها. أما الدرس للمستثمرين والمطوّرين وتجار التجزئة في 2026 فهو أنّ الشغور والإيجار للمتر المربع نتيجةٌ لمتغيّر سابق: كم ساعة يستطيع المركز إقناع الزائر بالبقاء، وأيّ سبب وجيه يمنحه للعودة.