المركز التجاري الممتلئ ليس ذاته السوق الذي ينمو لصالح المستأجر. تقدّم مراكز التسوّق الكبرى في دبي عام 2026 صورة قوّة لا تخطئها العين: بهوٌ مكتظّة، ومتاجر رئيسية تعمل بكامل طاقتها، وقوائم انتظار على أفضل الوحدات. هذه الصورة حقيقية، لكن من السهل إساءة قراءتها. فالظروف نفسها التي تجعل المراكز تبدو مزدهرة في عين الزائر هي التي تجعلها قاسية على تاجر التجزئة الساعي إلى تأمين مساحة ممتازة. ما جرى فعلاً في سوق عقارات التجزئة في دبي ليس توسّعاً واسعاً يربح فيه الجميع، بل ميلاً حادّاً في ميزان القوة التفاوضية لصالح المُلّاك، مدفوعاً بندرة المساحات الممتازة أكثر بكثير من كونه اندفاعاً في الطلب الجديد. والتمييز بين هذين التفسيرين هو مفتاح فهم وجهة الإيجارات ونسب الإشغال واستراتيجيات المستأجرين هذا العام.

لماذا لم يعد الإشغال مؤشّراً موثوقاً

في معظم أسواق التجزئة يُقرأ الإشغال المرتفع بوصفه دليل عافية: المراكز الممتلئة تعني تجّاراً واثقين، والتجّار الواثقون يعنون مبيعات صاعدة. لكنّ هذا الاختصار انهار في دبي عام 2026، لأنّ الإشغال ارتفع إلى حدّ لم يعد يعكس فيه التوازن بين العرض والطلب، بل صار يعكس غياب المساحة المتاحة. فبحسب تقرير Cushman & Wakefield Core (شركة استشارات عقارية) «التحديث السنوي لسوق التجزئة في دبي 2025/2026»، يبلغ الإشغال في المراكز الكبرى والوجهات الممتازة في الإمارة نحو 95 إلى 99 بالمئة، مع بلوغ بعض الأصول قرابة 98 بالمئة، وتقول الشركة صراحةً إنّ السوق «يبقى سوق مُلّاك». وحين يصل السوق إلى هذا الامتلاء، يكفّ رقم الإشغال عن قياس شهية التجّار ويبدأ في قياس ضيق المساحة المتبقّية لاستيعابهم.

وأهمية هذا التمييز أنّ التفسيرين يقودان إلى استراتيجيتين متعاكستين. فلو كان الامتلاء شبه الكامل إشارةَ طلبٍ متعاظم، لكان الردّ العقلاني بناء مزيد من المساحات وركوب الموجة. أمّا إن كان يشير إلى أنّ العرض عجز عن مجاراة الطلب، فإنّ المتغيّر الحاكم يصبح الندرة، والندرة هي ما يتيح للمُلّاك فرض شروطهم. وتشير الأدلّة في دبي عام 2026 بحزم إلى القراءة الثانية، وأرقام المعروض تفسّر السبب.

خطّ إمداد ممتاز عاجز عن مجاراة المدينة

يبلغ إجمالي مخزون التجزئة في دبي نحو 4.89 مليون متر مربّع من المساحة الإجمالية القابلة للتأجير (GLA، أي صافي المساحة المتاحة للإيجار)، وهو رقم ظلّ مستقرّاً إلى حدّ بعيد، وفق بيانات JLL (شركة استشارات وخدمات عقارية) في تقرير «ديناميكيات سوق التجزئة في الإمارات» بتاريخ الربع الثالث من 2025. وفي مقابل هذه القاعدة، يبدو خطّ الإمداد قصير الأجل نحيلاً على نحو لافت: إذ تقدّر JLL المعروض القريب المرتقب خلال عامَي 2025 و2026 معاً بنحو 250 ألف متر مربّع من المساحة القابلة للتأجير. وهذا، نسبياً، قريب من خمسة بالمئة من المخزون القائم موزّعةً على سنتين، وهو متواضع لمدينة تجاوز عدد سكّانها أربعة ملايين نسمة لأوّل مرّة في سبتمبر 2025 بحسب أرقام تُنسب إلى مركز دبي للإحصاء، واستقبلت 19.59 مليون زائر دولي مبيت في 2025 بارتفاع خمسة بالمئة على أساس سنوي، وفق دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي كما نشره المكتب الإعلامي لحكومة دبي في 9 فبراير 2026.

والخلل ليس فقط في صِغَر المعروض إجمالاً، بل في أنّ المعروض القائم نفسه ليس متساوي النفع. فالجزء الأكبر من التسليمات الجديدة في دبي على مستوى مراكز الأحياء المرتبطة بالمناطق السكنية، بينما تكاد المساحات الممتازة والكبرى التي تتنافس عليها فعلاً العلامات العالمية ودور الفخامة ألّا تتوسّع. وحتى الإضافات البارزة هي توسعة لأصول قائمة لا وجهات جديدة: فمشروع «The District» الذي تطوّره Emaar (إعمار العقارية) في دبي مول، بكلفة 1.5 مليار درهم ويضيف نحو 240 خياراً من متاجر الفخامة والمطاعم، يعمّق أصلاً مهيمناً أصلاً بدل أن يخلق بديلاً عنه. والأثر هو تركيز الطلب على مجموعة ثابتة من المواقع الأيقونية، وهذا بالضبط الشرط الذي يمنح المُلّاك قوّة التسعير.

ما تقوله بيانات التأجير فعلاً

أوضح دليل على أنّ تجزئة دبي صارت سوق مُلّاك لا يكمن في الإشغال بل في اتّجاه نشاط التأجير، وهنا تسير الأرقام عكس الحدس القائل إنّ السوق القوي يعني صفقات أكثر. فالبيانات المنسوبة إلى Cushman & Wakefield وCavendish Maxwell (شركتا استشارات عقارية) لعام 2025 تُظهر تراجع عقود الإيجار الجديدة بنسبة 15.7 بالمئة، فيما ارتفعت عقود التجديد 6.5 بالمئة وصعدت معدّلات الإيجار 7.1 بالمئة على أساس سنوي. وتصف هذه الأرقام الثلاثة مجتمعةً حالةً بعينها: التجّار يجدّدون حيث هم بدل الانتقال، وتباطأ التأجير الجديد لقلّة المساحة الممتازة المتاحة للانتقال إليها، ومع ذلك ترتفع الإيجارات لأنّ الندرة تمنح المُلّاك اليد العليا على طاولة التجديد.

وهذا نقيض الازدهار المدفوع بالطلب، الذي كانت العقود الجديدة سترتفع فيه مع توسّع التجّار في مساحات طازجة. فتراجع العقود الجديدة مقروناً بارتفاع التجديدات وارتفاع الإيجارات هو بصمة سوقٍ مُقيَّد المعروض. المستأجرون القائمون يبقون في أماكنهم لأنّ البديل — إيجاد مساحة ممتازة مماثلة في مكان آخر — يكاد لا يوجد، وهذا الأسر هو تحديداً ما يتيح للمُلّاك رفع إيجارات التجديد. وثمّة قراءة منفصلة تُنسب إلى Cavendish Maxwell وCushman & Wakefield تضع نموّ إيجارات التجزئة الممتازة عند حدود تسعة بالمئة على أساس سنوي لعام 2025، غير أنّ هذا الرقم يأتي عبر تجميع ثانوي لبيانات وكالات، ويُستحسن التعامل معه كمؤشّر اتّجاه لا رقماً دقيقاً. وسواء كان الرقم الحقيقي أقرب إلى 7.1 بالمئة لإيجارات التجديد أم إلى تسعة بالمئة للمساحات الممتازة، فالاتّجاه واحد: صعوداً، وبتحديد من المالك.

حيث تتركّز الندرة: الشريحة فائقة التميّز

الندرة في تجزئة دبي ليست موزّعة بالتساوي، بل تبلغ ذروتها في الشريحة فائقة التميّز، أي مواقع المتاجر الرئيسية داخل أفضل المراكز على الإطلاق. وتقدّر بعض المصادر إيجارات المساحات فائقة التميّز للوحدات الرئيسية والفاخرة بنحو 7,500 إلى 10,500 درهم للمتر المربّع سنوياً، بينما تقع المساحات الممتازة عالية الحركة — البهو الرئيسي والأروقة المميّزة — في حدود 5,500 إلى 7,500 درهم للمتر المربّع سنوياً؛ وهذه النطاقات تأتي من مصادر وكالات وثانوية لا من تقرير أوّلي واحد، وينبغي قراءتها كمؤشّرات سوق لا تعرفة ثابتة. والنقطة التي توضّحها بنيوية لا حسابية: فالفجوة بين الإيجارات فائقة التميّز والممتازة فحسب تعكس مدى ضيق حوض المساحات الأيقونية الحقيقية.

ويقع «فاشن أفينيو» في دبي مول على قمّة ذلك الحوض. فقد ورد ذكره بين أغلى مواقع التجزئة في العالم — في المرتبة الحادية عشرة عالمياً بحسب تعليقات وكالات مجمّعة تستند إلى بيانات Cushman & Wakefield وSavills لعام 2025 — وهو ادّعاء يتداول عبر مصادر ثانوية ويجدر تصنيفه كمؤشّر اتّجاه لا معطى مسنَداً بشكل قاطع. أمّا ما لا شكّ فيه فهو المنطق الكامن: يضمّ دبي مول نحو 350 ألف متر مربّع من مساحة التجزئة القابلة للتأجير موزّعة على أكثر من 1,200 وحدة، بحسب Cushman & Wakefield Core، واستقطب نحو 111 مليون زائر في 2024 بارتفاع ستة بالمئة عن العام السابق، وفق أرقام تُنسب إلى Emaar. وأصلٌ واحد بهذا الحجم من الحركة والمكانة يصبح عنواناً شبه إلزامي لعلامات الفخامة، وحين تكون العناوين الإلزامية قليلة وممتلئة، يحدّد مُلّاكها السعر. وتضيف توسعة «The District» بقيمة 1.5 مليار درهم قدرةً في الفخامة والمطاعم تحديداً لأنّ الطلب على التواجد داخل ذلك الأصل يفوق المساحة المتاحة لتلبيته.

جانب الطلب: مَن يُبقي المراكز الممتازة ممتلئة

لا تتحوّل الندرة إلى قوّة تسعير إلّا إذا كان الطلب مستداماً، وقاعدة الطلب في دبي عميقة على نحو غير معتاد. فنحو 92 بالمئة من سكّان الإمارة من المقيمين الوافدين، بحسب أرقام مركز دبي للإحصاء المذكورة لعام 2025، وهي شريحة تميل إلى إنفاق تقديري أعلى وتتعامل مع المركز الكبير بوصفه فضاءً اجتماعياً وتسوّقياً افتراضياً لا وجهةً عرضية. ويُضاف إلى ذلك محرّك سياحي حقّق رقماً قياسياً للسنة الثالثة على التوالي في 2025: 19.59 مليون زائر دولي مبيت، ومتوسّط إشغال فندقي بلغ 80.7 بالمئة، وللمرّة الأولى أكثر من مليونَي زائر في شهر تقويمي واحد في ديسمبر 2025، وكلّها بحسب دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي كما نُشر في 9 فبراير 2026. وتترجَم نحو 44.85 مليون ليلة غرفة مشغولة على مدار العام إلى تدفّق متواصل من الزوّار مرتفعي الإنفاق الذين تشكّل المراكز الرئيسية جزءاً محورياً من تجربتهم في دبي.

ولهذا الطلب أيضاً ميلٌ نحو الفخامة ينطبق مباشرةً على شريحة التجزئة فائقة التميّز. فقد قُدّرت قيمة سوق السلع الفاخرة في الإمارات بنحو 8.5 مليار دولار في 2025، بحسب Mordor Intelligence (شركة أبحاث سوق)، وتستحوذ الإمارة على أكبر حصّة منفردة من إنفاق الفخامة في دول مجلس التعاون الخليجي. وبالنسبة إلى دار فخامة، فإنّ الغياب عن مراكز دبي الممتازة موقف غير قابل للاستمرار، ولهذا يشتدّ التنافس على مجموعة محدودة من الوحدات الرئيسية، ولهذا أيضاً لا يواجه مُلّاك تلك الوحدات ضغطاً يُذكر للتنافس على الإيجار. فالطلب ليس حاضراً فحسب، بل ملتزم بنيوياً بعدد قليل من العناوين.

واقع السرعتين خلف العنوان

ينطبق توصيف «سوق المُلّاك» بأقوى صوره على الشريحتين الممتازة وفائقة التميّز، ويجدر التدقيق في أنّ تجزئة دبي تسير بسرعتين. فعلى مستوى مراكز الأحياء — المراكز المجاورة في مناطق مثل البرشاء وموتور سيتي وند الشبا — تشير Cushman & Wakefield Core إلى أنّ المشاريع الجديدة تبلغ الإشغال الكامل خلال نحو عام من افتتاحها، مرتكزةً على مزيج ميسّر قوامه سوبرماركت وعيادة وصالة رياضية ومطاعم محلّية النشأة. وهذا سوق صحّي وقادر على الاستيعاب، لكنّه لعبة مختلفة عن الشريحة الممتازة: فطلب الأحياء يُلبّى بتدفّق أكثر ثباتاً من المعروض المجاور الجديد، فتكون دينامية الندرة أخفّ وضغط الإيجار أقلّ حدّة.

أمّا الشريحة الممتازة والكبرى فهي حيث يكون الضغط حقيقياً، لأنّها حيث يكون المعروض الجديد مُقيَّداً فعلاً والطلب عميقاً ومركّزاً في آن. والخلط بين السرعتين هو ما يجعل السوق يُقرأ خطأً: فمطوّر ينظر إلى سرعة تأجير مراكز الأحياء قد يستنتج أنّ ثمّة متّسعاً لبناء مساحة ممتازة بربحية، بينما القيد الممتاز هو تحديداً ما يولّد إيجارات اليوم. وتحوّل «مول الإمارات» بقيمة خمسة مليارات درهم الذي أعلنته Majid Al Futtaim (ماجد الفطيم) في 16 أبريل 2025 — بإضافة نحو 20 ألف متر مربّع من مساحة التجزئة إلى جانب مكوّنات ثقافية وترفيهية — رهانٌ على تعميق وجهة ممتازة قائمة لا على مضاعفة عددها، وهو ما يتّسق مع سوقٍ تكون فيه ندرة المساحات الممتازة، لا النموّ الخام، هي القوّة الحاكمة.

الخلاصة

سوق التجزئة الممتازة في دبي عام 2026 هو سوق مُلّاك، لكنّ السبب يسهل الخطأ فيه. فالمراكز الممتلئة، ونسبة الإشغال بين 95 و99 بالمئة التي أوردتها Cushman & Wakefield Core، والإيجارات الصاعدة، لا تتجمّع لتروي قصّة نموّ واسع مدفوع بالطلب يستفيد منه كلّ تاجر. إنّها تتجمّع لتروي قصّة ندرة: مخزون مستقرّ يناهز 4.89 مليون متر مربّع من المساحة القابلة للتأجير، وخطّ إمداد قريب نحيل يبلغ نحو 250 ألف متر مربّع عبر عامَي 2025 و2026 بحسب JLL، وإضافات ممتازة تعمّق أصولاً أيقونية قائمة بدل خلق أخرى جديدة. وتؤكّد ذلك بيانات التأجير — تراجع العقود الجديدة 15.7 بالمئة، وارتفاع التجديدات 6.5 بالمئة، والإيجارات 7.1 بالمئة على أساس سنوي، وفق بيانات Cushman & Wakefield وCavendish Maxwell لعام 2025 — واصفةً مستأجرين يجدّدون لأنّهم لا يستطيعون الانتقال، ومُلّاكاً يرفعون الإيجارات لأنّ في وسعهم ذلك. والعبرة للتاجر أنّ المركز المكتظّ إنذار لا فرصة فحسب: فالمساحة الممتازة في دبي تُسعّر بندرتها، وهذه الندرة لن تخفّ بشكل ملموس ما دام خطّ الإمداد بهذا النحول. والمتغيّر الذي يهمّ ليس مدى امتلاء المراكز، بل مدى ضيق المتّسع المتبقّي لدخولها.